الرحمة الإلهية الخفية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الرحمة الإلهية الخفية

مُساهمة من طرف ÙˆØ±Ø¯Ø© الربيع في الجمعة 2 ديسمبر 2011 - 20:56




الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، أما بعد فيا عباد الله:
يقول الله عز وجل في محكم تبيانه: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[الانبياء: من الآية35]، لقد رأينا يا عباد الله مصداق هذه الآية العظيمة في كتاب الله عز وجل بكلا شطريها الأول والثاني، رأينا ابتلاء الله سبحانه وتعالى لنا بالشر ثم رأينا كيف انطوى الشر وابتلانا الله عز وجل بعد ذلك بهذا الخير، رأينا فيما مضى كيف احتُبِسَ قطر السماء وكيف جفت الينابيع وكيف توقفت الأنهار عن الجريان ورأينا كيف ذُبُلَتْ الأشجار وكيف ظمأت الأرض والنباتات ومرَّ على ذلك عهد، ولم يكن شيء من ذلك إلا مصداقاً لسنةٍ ربانية قضى الله عز وجل أن يأخذ عباده بها وقد حدثنا بيان الله سبحانه وتعالى عن هذه السنة وكرر بيانها وتفنن البيان الإلهي في ذلك، من ذلك قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف:96]، ومن ذلك قوله سبحانه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل:112]، هذا الذي مر بنا من ابتلاء الله عز وجل لنا بالشر كان تطبيقاً لهذه السنة الربانية وكان صدىً لواقع مررنا به وإنكم لتذكرون كمثال على هذه الحقيقة التي يذكرنا بها بيان الله عز وجل كيف كان المدخل الغربي لهذه المدينة مضرَب مثل للجمال وكيف كانت موضوعاً ثرياً وثرَّاً لشعر الشعراء ولغزل المتحدثين عن ذلك الوادي الجميل الساحر الأخاذ، كانت الأنهر في ذلك الوادي متألقة وكانت فياضة غزيرة وكانت المياه تصافح وتلامس الضفتين من كل نهر أيام كانت النـزهات في ظلال تلك الأشجار وعلى ضفاف تلك الأنهار نزهات بريئة أيام كان اللهو آنذاك لهواً مباحاً وكانت يد المولى الكريم تزيد هذه الأمة من العطاء وكانت المياه تزداد تدفقاً وكأن لسان الحال يقول كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون، ولكن ما الذي حصل بعد ذلك؟ بُنِيَتْ على ضفاف تلك الأنهر الأعشاش التي تعلمون وبُنِيَتْ على ضفافها النوادي الليلية التي لا حاجة إلى الحديث عنها وإلى تدنيس هذه الساعة المباركة بشيء من أوصافها واستمرأ أولئك الناس كفران النعمة، استمرؤوا احتجابهم بالنعمة عن المنعم فكانت العاقبة التي حدثتكم عنها، طُوِيَ الخير واستُبْدِلَ به الشر، غاضت تلك المياه وتحولت تلك الأنهر إلى مكان للوحل وأصبحت تفيض بالروائح النتنة التي تعرفون وأصبح الإنسان المار بذلك الوادي لا يشعر إلا بمرارة الذكرى، لا يشعر إلا بالألم الممض من انقضاء ذلك اليوم الذي كم وكم تحن إليه المشاعر وكم وكم تتخيله الأخيلة ولكن الأمر تحول إلى نقيضه، ذلكم هو مصداق الله عز وجل: {مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}[النحل: من الآية112]، وليس المراد بالكفران هنا كفران العقيدة ولكن المراد بالكفران هنا استعمال النعمة لما يغضب الله سبحانه وتعالى، واليوم يا عباد الله ها أنتم ترون كيف أن الرحمة الإلهية طوت عهد الشر الذي عانينا منه ما عانينا، أكرمنا الله سبحانه وتعالى بالأمطار سخيةً تهطل من سمائه وأكرمنا الله سبحانه وتعالى بالينابيع أن تعود فتتفجر وأَذِنَ الله سبحانه وتعالى للأنهر أن تعود فتسير وتسيل، تلك هي سنة أخرى من سنن الله سبحانه وتعالى في عباده رأينا ولله الحمد هذا كله ولما يقلع إخواننا أولئك عن المعاصي التي كانت سبباً لذلك المحق والقحط، لما يقلعوا عن ذلك السبب الذي كان من ورائه جفاف تلك الأنهار وانحباس تلك الأمطار وجفاف تلك الينابيع، تلك سنة من سنن الله عز وجل يتحبب الله عز وجل من خلالها إلى عباده، لعل رسالات الحب التي تتنـزل من علياء الربوبية إلى العباد، لعلها توقظ السادرين، لعلها تعيد الشاردين إلى صراط الله عز وجل، لعل الحب واللطف وعودة النعم لعل ذلك كله هو الذي يجعل هؤلاء الشاردين يخجلون من المنعم ويستحيون من هذا الإله المتكرم فيؤوبون إلى الله ويتوبون إليه ويقلعون عن تلك الأسباب التي قطعت الخير بل قطعت دابر الخير وفتحت أبواب الشر، نحن نمر يا عباد الله في هذه المرحلة، أبدل الله عز وجل بذلك الشر هذا الخير الذي يمتعنا به، ها أنتم ترون كيف أن الينابيع عادت فتفجرت وكيف أن الأنهر عادت ففاضت وكيف أن مظهر الحدائق والخضرة عاد فتألق ولكن كل ذلك منوط بقرارنا الذي سنتخذه، هل عسانا أن نظل عاكفين على هذا الشرود عن صراط الله؟ هل عسانا أن نظل سادرين في هذا النهج المتمثل في اتخاذ النعم التي ينعم الله بها علينا سبباً لغضبه، سبباً لنقمته؟ أغلب الظن أننا إذا ظللنا على هذا النهج وبقينا نسير في هذا الطريق فإن هذا الخير سيعود فينقطع وإن بلاءً شراً من ذلك البلاء الماضي سيحيق بنا يا عباد الله، ربنا يتحبب إلينا بهذا الذي ترون، يرسل إلينا رسائل حبه ولا ينبغي أن نتيه عنها، رسائل متمثلة في أمره للسماء بأن تمطر وفي أمره للينابيع بأن تعود فتتفجر وللأنهار بأن تعود فتسيل وتسير متألقة فياضة، رسائل حب يبعثها الله عز وجل إلينا، أفلا نبادله حباً بحب يا عباد الله! أفلا نترجم هذا الحب الذي ينبغي أن نبادل مولانا وخالقنا به بتوبة نصوح! بعودٍ إلى صراطه! أفلا نترجم حبنا لمولانا سبحانه وتعالى بأن نستعمل نعمه فيما يرضيه وألا نستعمل شيئاً منها فيما يغضبه! ألا تذكرون قوله سبحانه في هذه الآية التي تأخذ بالألباب وتذيب مشاعر الإنسانية لمن كان له أدنى شعورٍ بل بقايا من الشعور بالإنسانية! ألا تقفون وقفة تدبر وتأمل عند قوله سبحانه وتعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [الرحمن:60]، تأملوا هذا المعنى اللطيف الذي غُمِسَ هذا البيان الإلهي فيه، تأملوا هذا الخطاب الرباني المتحبب {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [الرحمن:60]، أي يا عبادي ها أنا قد أحسنت إليكم أفلا تحسنون إلي! أليس جزاء الإحسان الهابط من علياء الربوبية إلى العبد إلا إحسان يعلو من تصرفات العبد إلى مولاه وخالقه! هلا أحسنتم إلي في مقابل إحساني إليكم! على أن هذا البيان المتحبب يغضي ويستر الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها نحن، من الذي قال: إن الله عز وجل عندما يحسن إلينا فنقابله بإحسان مثله من الذي قال أنه نحسن إليه؟ وهل الله بحاجة إلى أن نحسن إلي؟ وهل كان الله قبل أن يخلقنا محتاجاً إلى عباد يخلقهم ليحسنوا إليه! هو المولى، هو الغني وكل من عداً الله سبحانه وتعالى فقراء: ” {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر:15-16]، ولكنه التحبب يا عباد الله، ولو أننا تأملنا في هذا اللطف الرباني ونحن نتمتع بإنسانيتنا وقد عرفنا عبوديتنا وربوبية مولانا وخالقنا لذابت منا الحُشاشة ولذابت منا الأفئدة خجلاً من الله عز وجل إذ يقول لقد أحسنت إليكم أفلا تحسنون إلي، ولا شك أن العبد العالم بالحقيقة سيقول لمولاه وخالقه حاشاك يا رب، أنا أحسن إليك! ومن أنا حتى أحسن إليك، إن أحسنت مقابل إحسانك إلي فإن ثمرة ذلك تعود إليَّ أنا، عندما أحسن إليك فيما تأمرني به فإنما أحسن إلي أنا في الواقع والحقيقة، هذا مثل قول الله عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة:245]، يقول لي الله عز وجل ألا تقرضني شيئاً مما معك وعهد علي أن أعيده إليك أضعافاً مضاعفة وأنت تعلم وأنا أعلم أن هذا الذي أملكه إنما هو عطاء من الله والمالك والمملوك ملك لله سبحانه وتعالى ومع ذلك فيتحبب إلي ويقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة:245]، أما العبد الذي عرف عبوديته وتوَّجها بمشاعر إنسانيته فلابد أن يذيبه هذا التلطف من مولاه وخالقه عز وجل ولابد أن يقول إن بلسان الحال أو بلسان القول: مولاي أنت ربي أنت المالك لذاتي وأنت المالك لما منحتني إياه فيا ربي أنت المالك للعبد وما في يده وها أنا ذا أعود بنفسي وبكل ما معي إليك، هكذا ينبغي أن يقول وهذا هو ذاته المنطق الذي نراه في قوله: {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ} [الرحمن:60]، لقد أحسنت إليكم بهطول الأمطار، أحسنت إليكم إذ أمرت الينابيع أن تتفجر فتفجرت، أحسنت إليكم بالمياه الغامرة التي تتلألأ ما بين الأشجار أفلا تحسنون إلي، ماذا قررتم في مواجهة هذا اللطف الرباني يا عباد الله، ألا فاعلموا أننا إن عاهدنا الله عز وجل في ظل هذه النعمة، في ظل هذا الرخاء الذي جاء بعد تلك الشدة وصدقنا في بيعتنا مع الله سبحانه وتعالى وعاهدناه على أن نقلع عن المعاصي، أن نزيل تلك الأعشاش التي كنا نستثير غضب الله بنعمه عن طريقها وطوينا عهد تلك الأندية الليلية التي تستثير غضب الله عز وجل حول تلك الأنهر التي غاضت بعد أن فاضت فإنني على يقين بأن الله سيزيدنا من نعمه وسيزيدنا من عطائه ولن ينقطع هذا الرفد أبداً فتعالوا يا عباد الله نعاهد الله على كل المستويات، على مستوى القمة التي شاء الله عز وجل أن تدير أمورنا وأن تحكم فيما بيننا وعلى مستوى الفئات المتنوعة المختلفة المتفاوتة تعالوا نعاهد الله على أن نتوب، تعالوا نقل لله بلسان الحال نعم يا رب جزاء الإحسانُ الإحسان، ولقد أحسنت إلينا بما رأينا عهد صادق نتوجه به إليك أن نحسن إليك وإن هو إلا إحسان إلينا وليبعث كل واحد منكم هذه الرسالة لمن يستطيع أن يبعثها إليه أو ليواجهه بها إن استطاع أن يواجهه بها، ذكِّرُوا إخوانكم، ذكِّرُوا إخواننا بألا يقابلوا نعمة الله بكفران، بألا يواجهوا هذه النعمة بما يثير غضب الله سبحانه وتعالى، هذا ابتلاء ابتلانا الله عز وجل به لكنه ابتلاء بخير، ترى ماذا سنصنع، ما القرار الذي سنتخذه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغ هذا النصح الذي أتوجه به أولاً إلى نفسي ثم إليكم أسأله سبحانه وتعالى أن ييسِّرَ إبلاغ النصح لكل أخٍ في الإنسانية وفي الله من أجل أن نحصن النعمة، من أجل أن نحصن العطاء الرباني بل لأجل أن نترجم حبنا لمولانا بما ينبغي أن نترجمه به أفلا نبادله حباً بحبٍ! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

avatar
وردة الربيع
•-«[ مبدع جديد ]»-•
•-«[ مبدع جديد ]»-•


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى