مسؤولية الطبيب حسب الاسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مسؤولية الطبيب حسب الاسلام

مُساهمة من طرف ÙˆØ±Ø¯Ø© الربيع في الأربعاء 7 مارس 2012 - 14:10

روى الإمام مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضرر ولا ضرار ".

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تَطبَّبَ ولم يعلم منه طِبٌّ فهو ضامن " رواه أبو داود، وصححه الحاكم والذهبي.

و قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافاً في المعالج، إذا تعدّى، فتلف المريض، كان ضامناً. والمتعاطي علماً لا يعرفه متعدٍّ.

و قال الإمام ابن رشد الحفيد: وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية، مثل أن يقطع الحشفة في الختان وما أشبه لأنه في معنى الجاني خطأ.

إنه لمن نافلة القول أن نؤكد أن الشريعة الإسلامية قد سبقت التشريعات الحديثة كلها في إرساء قواعد المسؤولية الطبية بما يكفل حماية الطبيب ويحفظ حقوق المريض ويشجع على تطوير المنهج العلمي للمهمة الطبية.

و إذا كان الطب منذ نشأته في عصور ما قبل التاريخ ممتزجاً بالسحر والخرافات، فقد كان الاعتقاد الشائع أن المرض ينجم عن تمكن الشيطان من البدن، وإذا مات المريض فهذا يعني أن الشيطان قد تغلب، فلا مجال للبحث حينئذ عن مسؤولية الطبيب.

و عند الفراعنة كانت الأمور العلاجية محصورة في السفر المقدس وكان على الطبيب الالتزام بها، فإذا خالفها وتوفي المريض دفع الطبيب رأسه ثمناً لذلك. وعند البابليين تضمن قانون حمورابي قواعد مشدَّدة لمحاسبة الأطباء قد تصل إلى قطع يد الطبيب إذا تسببت لفقد عضو عند رجل حر.

و عند الإغريق وبعد أن جاء أبقراط ليخلص الطب من كثير من الشعوذة، كان يجبر تلاميذه على أداء قسمه المعروف، غير أنه لم يكن ليرتب على هذا القسم أي مسؤولية قانونية بقدر ما كان التزاماً أدبياً، إذ لم تكن أية مسؤولية جزائية على الأطباء عندهم. وعند الرومان كانوا يعتبرون جهل الطبيب أو خطأه موجبان للتعويض إلا أن العقاب كان يختلف بحسب المركز الاجتماعي للمريض، فموت المريض قد يؤدي إلى إعدام الطبيب أو نفيه.

و في العصور الوسطى في أوربا، كان إذا مات المريض بسبب إهمال الطبيب أو جهله يسلم إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقاً.

و جاء الإسلام بدعوته إيذاناً ببدء عصر جديد تحكمه قوانين عادلة أنزلت من عند الإله الحق سبحانه وتعالى حيث أرسى محمد صلى الله عليه وسلم قواعد، ما تزال حتى اليوم هي الأمثل في تنظيم العلاقة بين الطبيب ومريضه، وبمقتضى المنطق والعدل. ومن الحق أن نذكر أن فقهاء المسلمين اعتبروا العلم بالنفس وأحوالها أساساً في علم الطب حيث يقول ابن القيم: لا بد أن يكون للطبيب خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها فذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمرٌ مشهود. والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح هو الطبيب الكامل. والذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن، نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه فليس بطبيب، بل متطبب قاصر...

و باعتبار أن التطبيب ضرورة تحتاج إليها الجماعة فقد جعل الشارع دراسة الطب وممارسته من فروض الكفاية وبهذا سبقت الشريعة الإسلامية أحدث التشريعات الوضعية لأنها تلزم الطبيب أن يضع مواهبه في خدمة الجماعة.

يقول عبد الستار أبو غدّة: وباعتبار التطبيب واجباً كفائياً يقتضي ألا يكون الطبيب مسؤولاً عمل يؤدي إليه عمله قياماً بواجبه، لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده كان ذلك داعياً للبحث عن مسؤوليته عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض.

يقول العّلامة محمد أبو زهرة: ونظراً لصعوبة تمييز الخطأ الذي يحدث منه تلف النفس أو العضو أصدر عن جهل الطبيب وإهماله أم صدر عما لا يمكن تقديره والاحتياط له، لذلك اختلف الفقهاء في تضمين الطبيب مغارم مالية عند حصول الضرر أو التلف وتضاربت أقوالهم في ذلك لأنه يتنازع نظر الباحث أمران كلاهما واجب للرعاية:

أولاهما: أن ترتيب مغارم مالية على خطأ الطبيب قد يؤدي إلى إحجام الأطباء عن المعالجة إذا لم يكونوا مستيقنين بالنتائج القطعية لعلاجهم لكيلا يتعرضوا للمغارم. كما أن كثيراً من الأخطاء يتكون عند رغبة الإنقاذ فكيف يغرم من يحتسب تلك النية؟ ثم أن عمل الطبيب واجب شرعي، ومن يقع في خطأ أثناء قيامه بالواجب لا يسأل عنه إلا إذا كان قد قصّر، فيؤاخذ على تعديه بالتقصير لا على الخطأ. والتقصير والخطأ نوعان مختلفان: إذ الأول فيه عدوان والثاني لا عدوان فيه.

ثانيهما: أن إتلاف النفس أو العضو أمر خطير في ذاته، وإن قد يكون نتيجة أن الطبيب قد أقدم على ما لا يحسن، طمعاً في المال من غير تقدير للتبعية، وقد يكون ممن يحسن لكنه قصر في دراسة المريض، وإنما أذن المريض أو الولي رجاء العافية لا لتعجيل المنية. ومن أخطأ فيما كُلِّف وكان خطؤه يمكن تلافيه بالحذر والحرص فقد قصَّر، ومن قصر وأتلف بتقصيره استحق العقاب...

و قد أجمع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل (المتطبب) الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله. يقول الإمام أحمد: إذا قام بأعمال التطبب شخص غير حاذق في فنه فإن عمله يعتبر محرماً، كما اجمعوا أن المتطبب الجاهل إذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه فمات المريض أو أصابه ضرر من جراء هذا العلاج فإن الطبيب يلزم بالدية أو بتعويض التلف، لكن ينفون عنه القصاص لوجود الإذن. أما إذا كان المريض يعلم أن هذا المتطبب ليس من صناعته الطب ثم سلّم نفسه له بعد ذلك، ففي هذه الحال لا ضمان لأن المريض هنا مغتر لا مغرور.

يقول أبو زهرة: ونتكلم الآن في الضرر الذي يلحق المريض، والذي يقع من الطبيب الحاذق أو يقترن بعلاجه. وهذه حالة قسمها الفقهاء إلى أربعة أقسام:

الأول: أن يكون موت المريض أو تلف عضو منه بسبب أمر لم يكن في الحسبان. ولم يكن باستطاعة الطبيب، مع حذقه، تقديره والاحتياط له، وهذا لم يكن بحال نتيجة خطأ وقع من الطبيب أو تقصير منه يمكن أن يُعَدَّ. فالطبيب هنا لم يكن به تقصير يجعله مسؤولاً على أي حال. فقد اتفق الفقهاء على أن الموت أو الضرر إن جاء نتيجة لفعل واجب مع الاحتياط وعدم التقصير لا ضمان فيه، كمن يموت عند إقامته الحدَّ المقرر شرعاً، لأن ذلك في سبيل القيام بالواجب الديني، ولا تقصير فيكون التعدي الموجب للضمان، ولا خطأ، فيعد قتل إنساناً خطأً لتجب الدية ولأنه لو وجب الضمان هنا لكان فيه تعويق للأطباء عن القيام بواجبهم.



الثاني: أن يكون التلف قد أصاب العضو أو الجسم بسبب خطأ عملي وقع فيه الطبيب كأن يحتاط الجراح كال الاحتياط ولكن تسبق يده إلى غير موضع العلاج فينال الجسم كله أو عضواً منه بتلف، وفي هذا يكون الضمان بلا ريب، لأنه إن أصاب الجسم كله بتلف كان قتلاً خطأ. وفي مذهب ابن حنبل خلاف: أيكون الضمان في بيت المال أم في مال الطبيب؟ ووجه الرواية التي تقول في مال الطبيب أن الأصل أنها تكون على عاقلته. وإن لم تكن له عاقلة كانت في ماله. أما الرواية التي تقول أنها في بيت المال فهي تعتبر أن خطأ الطبيب كخطأ القاضي والحاكم لأن أولئك نصبهم ولي الأمر للنفع العام فكان ضامناً لأخطائهم التي لم تكن نتيجة تقصيرهم الشخصي بل لسبق القدر فيما يفعلون.



الثالث: تلف الجسم بسبب خطأ في وصف الدواء، لكن الطبيب قد اجتهد وأعطى الصناعة حقها ولكنه ككل مجتهد يخطئ ويصيب وقد أدى خطؤه إلى موت نفس بشرية. وفي هذه الحال يكون الضمان ثابتاً وه وبالدية على قتل كان خطأ. وهنا أيضاً روايتان عند ابن حنبل أحدهما أن تكون الدية على عاقلة الطبيب والثانية أن تكون في بيت المال.



الرابع: في الأقسام الثلاثة السابقة كان التطبيب بإذن من المريض أو من يتولى أمره. أما إذا كان الخطأ أو التقصير على أية صورة من الصور السابقة بغير إذن من المريض أو وليه فالفقهاء متفقون على أن الضمان يكون ثابتاً لأنه فعل أدى إلى هلاك النفس أو عضو فيها بغير إذن من وليها فيكون مسؤولاً عنها والضمان على العاقلة.

و يستحسن ابن القيم أن لا يكون الضمان على الطبيب في هذه الحال، ولعله يرى الضمان في بيت المال. ويعلل ذلك بقوله: يحتمل ألا يضمن مطلقاً لأنه يحسن _ وما على المحسنين من سبيل _ وأيضاً فإنه إذا كان متعدياً فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً فلا وجه لضمانه فإن قلت هو متعدّ عند عدم الإذن، غير متعدّ عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه يرجع إلى فعله فلا أثر للإذن وعدمه.

و هذه العبارة تؤدي في نتيجتها إلى أن ابن القيم لا يرى أيّ ضمان على الطبيب الحاذق إذا أدى الصناعة على وجه الكمال ثم جاء ما ليس بالحسبان،؟ أو سبق القدر فتعدت يده موضع الداء أو أخطأ في وصف الدواء، فلا فرق فيذلك في أن يكون العلاج بإذن من المريض أو من وليه أو بغير إذن من أحد. لأنه في حال الإذن ممكن من صاحب الشأن وفي حال عدم الإذن متبرعٌ بفضل ويقوم بحق الدين فلا ضمان. إنما مناط الضمان هو كون الفعل جاء على وجهه أو لا. وما دام قد أتى بالفعل على وجهه أو بذل غاية جهده، جهد العالم الحاذق، فلا ضمان عليه ولا على عاقلته.

و يؤيد أبو زهرة رأي ابن القيم إلا أنه يميل إلى أن يكون الضمان في بيت مال المسلمين حتى لا يضيع دم مسلم خطأ. والقرآن يصرح بأن دم المسلم لا يذهب خطأ قط {و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...}. وإن من تشجيع الطب والصناعة الطبية أن لا يكون الضمان في مال الطبيب بل يكون في بيت مال المسلمين فنكون قد جمعنا بين النص القرآني وبين تشجيع البحث والعلاج.

قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، وفي دراسته المستفيضة عن المسؤولية الطبية في الفقه الإسلامي والتي فصل موجباتها في عشرة أمور:

1. العمد:

وهو أن يحصل من الطبيب أمرٌ محظور يفضي إلى هلاك المريض أو أحد أعضائه ويكون قصده من هذا العمل إذاية المريض ومساءته كأن يصف له دواء ساماً بقصد إهلاكه وهذه تعتبر من قبل جناية العمد التي توجب القصاص. وهذا أمر يندر حصوله من الأطباء.

2. الخطأ:

كأن يخطئ في تشخيص المرض ومن ثم في وصف الدواء أو يقدر الحاجة لإجراء عملية جراحية ثم يتبين بعد العمل الجراحي أن المريض كان في غنىً عنها أو تزِّل يد الجراح فيتجاوز الموضع المحدد لجراحته ولا شك أن الطبيب يعتبر مسؤولاً عن خطئه وعن الضرر الناجم عن ذلك الخطأ. إلا أن موجب الخطأ أخف من موجب العمد لعدم وجود قصد التعدي عند المخطئ لذا تميز عن العمد بعدم وجوب القصاص وإن اشترك معه في وجوب الضمان. كما أن الخطأ وإن كان موجباً للمسؤولية الدنيوية غير أن صاحبه لا يأثم عند الله تبارك وتعالى.

3. مخالفة أصول المهنة الطبية:

ذلك أن إقدام الطبيب على معالجة المرضى على غير الأصول المعتبرة في علم الطب يحيل عمله من عمل مشروع مندوب إليه إلى عمل محرم يعاقب عليه. وقد بين الفقهاء أن اتباع الأصول المعتبرة عند أهل الصنعة يعتبر واجباً على الطبيب وعلى هذا فهو مسؤول عن الأضرار الناتجة عن مخالفته لهذا الواجب.

4. الجهل:

كأن يكون المتطبب دعياً على صنعة الطب وإنما غرَّ المريض وخدعه بادعاء المعرفة أو أن تكون له معرفة بسيطة لكنها لا تؤهله لممارسة هذا الفن _ كطالب الطب مثلاً _ أو أن تكون له معرفة في فن من فنون الطب ثم يتصدى لممارسة العمل في تخصص آخر. ويعتبر المتطبب في كل هذه الحالات مسؤولاً، إذ أجمع الفقهاء على تضمين الطبيب الجاهل ما تسبب في إتلافه بجهله وتغريره للمريض " من تطبب ولم يعلم منه قبل ذلك طب فهو ضامن ".

5. تخلف إذن المريض:

إن ما متع الله به الإنسان من أعضاء ومنافع يعتبر حقاً له لا يجوز أن يتصرف فيها غيره إلا بإذنه، وعليه فلا يجوز للطبيب ولا لغيره أن يقدم على مباشرة جسم الإنسان من فحص أو معالجة أو جراحة إلا بعد حصوله على إذن معتبر من المريض، أو من وليه إن لم يكن أهلاً للإذن كالصغير والمجنون والمغمى عليه. وقول الجمهور في المذاهب الأربعة أن الضمان لا يسقط عن الطبيب الذي عالج بدون إذن المريض. ففي الفتاوى الهندية: أما إذا كان بغير إذن فهو ضامن سواء تجاوز الموضع المعتاد أو لم يتجاوز. وخالف ابن القيم وابن حزم فاعتبرا أن لا ضمان إلا في الخطأ.

6. تخلف إذن وليِّ الأمر:

و هو هنا الحاكم الذي يرعى مصالح الأمة ويمثله في هذه الأيام في منح الإذن بمزاولة الطب: وزارة الصحة. وعلى هذا يعتبر الطبيب مسؤولاً عن عدم التزامه بالحصول على الإذن المذكور، غير أن إذن ولي الأمر لا يرفع عن الطبيب المسؤولية لو لم يكن مؤهلاً لذلك.

7. الغرور:

و هو لغة الخداع، ويعتبر الطبيب خادعاً _ غاراً _ عندما يصف للمريض دواءً ضاراً أو لا يحتمله جسمه أو لا يفيده في حالته تلك، فيتناوله المريض مخدوعاً بطبيبه. ويعتبر الطبيب مسؤولاً عن الأضرار المترتبة على تغريره بالمريض.

8. رفض الطبيب للمعالجة في حالات الضرورة _ الإسعاف _:

ففي التاج والإكليل من كتب المالكية: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما قدر عليه، ونقل محمد أبو زهرة الاتفاق على أن من كان معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات. وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع في البيداء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً عند جمهور الفقهاء، وعلى ذلك فإن من حق المريض أن يجبر الطبيب على إسعافه إذا كان في مقدور الطبيب أن يسعفه وكان المريض مضطراً إلى ذلك.

9. المعالجات المحرمة:

ليس مما أباح الله للإنسان أن يعرض منافعه للهلاك والتلف حتى يقدم عليه. وكما لا يحق للمريض ذلك، فإن إذنه للطبيب بإتلاف نفسه أو شيء منها، لا يجيز للطبيب استباحة شيء من ذلك والعبث فيه، فالشريعة الإسلامية لا تجيز للمريض أن يأذن بهذا ولا يجعل لإذنه اعتباراً في إسقاط المسؤولية عن الطبيب في إقدامه إلى قتل المريض ولو كان ذلك بدافع الشفقة عليه.

10. إفشاء سِرّ المريض:

إن طبيعة عمل الطبيب وما فيها من مباشرة لجسم المريض عامة أن يطلع على عورات وأشياء يختص بها المريض ولا يُحِّب أن يطلع عليها أحد سواه، ولولا قسوة المرض وشدة وطأته على المريض لما باح بشيء من أسراره للطبيب. فينبغي على الطبيب حفظ الأمانة التي استودعتها إياه مريضه " والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون ".

ثم إن إفشاء سر المريض، إن كان فيه إضرار للمريض، لا شك في حرمته، وحين ينفي الضرر عنه، فإنه وإن لم يحرم، فهو مكروه، وإن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمريض، يجعل الطبيب مسؤولاً عن إفشاء سره. ولا يستثنى من ذلك إلا ما تدعو إليه الضرورة من ذلك للمصالح العامة كأن يعلم الطبيب أن مريضه الطيَّار مثلاً مصاباً بالصرع وأن هذا لا يسمح له بقيادة الطائرة وتعريض حياة الناس للخطر فيجب الإبلاغ عنه وعدم الستر عليه، وطبعاً فإن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز له الإباحة بأكثر من ذلك.

و خلاصة القول فالطبيب الحاذق لا يسأل عما يلحق مريضه من ضرر إذا توفرت الشروط التالية:

1. المعرفة الطبية المشهود له فيها.

2. إذن ولي الأمر.

3. إذن المريض أو وليه.

4. أن يعمل وفق الأصول الطبية المرعية بقصد العلاج.

5. ألا يقع في خطا جسيم يستوجب المسؤولية

كل هذا مع افتراض أن الطبيب الحاذق لم يقصر ولم يهمل العناية بمريضه. إلا أن الواقع يرينا أن الطبيب قد يقصر ولا يجتهد وقد صارت النفس البشرية وديعة بين يديه، وهذا كثير الوقوع في المشافي العامة التي يلجأ إليها الفقراء. فترى كثيراً من الأطباء مهملون، متقاعسون عن إسعاف المرضى، وتنبعث الشكاوي في أنات من صدور المرضى وفي أرواح تفيض إلى بارئها وهي تشكو ظلم هؤلاء الأطباء وتقصيرهم. وقد في تقع بعض العيادات الخاصة لطبيب يزدحم عليه المرضى، فيلقي النظرة العابرة ويكتب الدواء عاجلاً والذي قد يكون معجلاً للمنية.

إن قواعد الفقه كلها توجب الضمان على أمثال هؤلاء الأطباء لأن التقصير تعدّ على الأرواح فيكون الضمان من التعدي. وقد أجمع الفقهاء على أن الضمان يكون عند التعدي وأجمعوا أن التقصير من التعدي. ولا مناص من عقاب الله في الآخرة بعد عقاب الدنيا والله تعالى يتولى الآثمين ويعاقبهم على تعديهم وتقصيرهم، كما يتولى المحسنين بإحسانهم.

{إنَّا لا نضيع أجر المحسنين}.

وردة الربيع
•-«[ مبدع جديد ]»-•
•-«[ مبدع جديد ]»-•


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى